فصل: باب إتيان خيار المجلس

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار **


 باب أن من شرط الولاء أو شرطا فاسدا لغا وصح العقد

1 - عن عائشة ‏(‏قالت دخلت عليّ بريرة وهي مكاتبة فقالت اشتريني فأعتقيني قلت لا يبيعوني حتى يشترطوا ولائي قلت لا حاجة لي فيك فسمع بذلك النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أو بلغه فقال ما شأن بريرة فذكرت عائشة ما قالت فقال اشتريها فأعتقيها ويشترطوا ماشاؤا قالت فاشتريتها فأعتقتها واشترط أهلها ولاءها فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الولاء لمن أعتق وان اشترطوا مائة شرط‏)‏‏.‏

رواه البخاري‏.‏ ولمسلم معناه‏.‏ وللبخاري في لفظ آخر ‏(‏خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق‏)‏‏.‏

2 - وعن ابن عمر ‏(‏ان عائشة أرادت أن تشتري جارية تعتقها فقال أهلها نبيعكها على ان ولاءها لنا فذكرت ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال لا يمنعك ذلك فإن الولاء لمن أعتق‏)‏‏.‏

رواه البخاري والنسائي وأبو داود وكذلك مسلم لكن قال فيه عن عائشة جعله من مسندها‏.‏

3 - وعن أبي هريرة قال ‏(‏أرادت عائشة أن تشتري جارية تعتقها فأبي أهلها الا ان يكون الولاء لهم فذكرت ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال لا يمنعك ذلك فإن الولاء لمن أعتق‏)‏‏.‏

رواه مسلم‏.‏

قوله ‏(‏اشتريها)‏ في ذلك دليل على جواز بيع المكاتب إذا رضي لولم يعجز نفسه وبه قال أحمد وربيعة والأوزاعي والليث وأبو ثور ومالك والشافعي في احد قوليه واختاره ابن جرير وابن المنذر وغيرهما على تفاصيل لهم في ذلك كذا في الفتح وإلى مثل ذلك ذهب الهادي وأتباعه‏.‏ وقال أبو حنيفة والشافعي في أصح القولين عنه وبعض المالكية أنه لا يجوز بيعه مطلقا ويروى عن ابن مسعود وأجابوا عن حديث الباب بأن بريرة عجزت نفسها بدليل استعانتها لعائشة كما في كثير من الروايات ويجاب بأنه ليس في استعانتها لعائشة ما يستلزم العجز قوله‏:‏ ‏(‏ويشترطوا ماشاؤا‏)‏ فيه دليل على أن شرط البائع للعبد أن يكون الولاء له لا يصح بل الولاء لمن أعتق باجماع المسلمين قوله‏:‏ ‏(‏وان اشترطوا مائة شرط‏)‏ قال النووي أي لو اشترطوا مائة مرة توكيدا فالشرط باطل وإنما حمل ذلك على التوكيد لأن الدليل قد دل على بطلان جميع الشروط التي ليست في كتاب اللّه فلا حاجة إلى تقييدها بالمائة فإنها لو زاد عليها كان الحكم كذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏واشترطي لهم الولاء‏)‏ استشكل صدور الأذن منه صلى اللّه عليه وآله وسلم بشرط فاسد في البيع واختلف العلماء في ذلك فمنهم من أنكر الشرط في الحديث فروى الخطابي في المعالم بسنده إلى يحيى بن أكثم نه أنكر ذلك وعن الشافعي في الأم الاشارة إلى تضعيف هذه الرواية التي فيها الأذن بالاشتراط لكونه انفرد بها هشام بن عروة دون أصحاب أبيه وأشار غيره إلى أنه روي بالمعنى الذي وقع له وليس كما ظن وأثبت الرواية آخرون وقالوا هشام ثقة حافظ والحديث متفق على صحته فلا وحه لرد ثم اختلفوا في توجيه ذلك فقال الطحاوي أن اللام في قولهم ‏(‏لهم‏)‏ بمعنى على كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن أسأتم فلها‏}‏ وقد أسند هذا البيهقي في المعرفة عن الشافعي وجزم به الخطابي عنه وهو مشهور عن المزني‏.‏ وقال النووي أن هذا تأويل ضعيف وكذلك قال ابن دقيق العيد وقال آخرون الأمر في قوله ‏(‏اشترطي‏)‏ للإباحة أي اشترطي لهم أولا فإن ذلك لا ينفعهم ويقوي هذا قوله ‏(‏وبشترطوا ما شاؤا‏(‏ وقيل أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قد كان أعلم الناس أن اشتراط الولاء باطل واشتهر ذلك بحيث لا يخفى على أهل بريرة فلما أرادوا أن يشترطوا ما تقدم لهم العلم ببطلانه أطلق الأمر مريدا به التهديد كقوله تعالى ‏{‏اعملوا ما شئتم‏}‏ فكأنه قال اشترطي لهم الولاء فسيعلمون أن ذلك لا ينفعهم ويؤيد هذا ما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم بعد ذلك ‏(‏ما بال رجال يشترطون شروطا‏)‏ الخ فوبخهم بهذا القول مشيرا إلى أنه قد تقدم منه بيان إبطال إذ لو لم يتقدم منه ذلك لبدأ ببيان الحكم لا بالتوبيخ بعدم المقتضى له إذ هم يتمسكون بالبراءة الأصلية وقال الشافعي أنه أذن في ذلك لقصدان يعطل عليهم شروطهم ليرتدعوا عن ذلك ويرتدع به غيرهم وكان ذلك من باب الأدب وقيل معنى اشتراطي اتركي مخالفتهم فيما يشترطونه ولا تظهري نزاعهم فيما دعوا إليه مراعاة لتنجيز العتق لتشوف الشرع إليه‏.‏ وقال النووي أقوى الأجوية أن هذا الحكم خاص بعائشة في هذه القصة وأن سببه المبالغة في الزجر عن هذا الشرط لمخالفته حكم الشرع وهو كفسخ الحج إلى العمرة كان خاصا بتلك الحجة مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج ويستفاد منه ارتكاب أخف المفسدتين إذا استلزم إزالة أشدهما وتعقب بأ،ه استدلال بمختلف فيه على مختلف فيه وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل‏.‏ وقال ابن الجوزي ليس في الحديث أن اشتراط الولاء والعتق كان مقارنا للعقد فيحمل على أنه كان سابقا للعقد فيكون الأمر بقوله ‏(‏اشترطي‏)‏ مجرد وعد لا يجب الوفاء به وتعقب باستبعاد أن يأمر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم شخصا أن يعد مع علمه بأنه لا يفي بذلك الوعد‏.‏ وقال ابن حزم كان الحكم ثابتا لجواز اشتراط الولاء لغير المعتق فوقع الأمر باشتراطه في الوقت الذي كان ذلك جائزا فيه ثم نسخ بخطبته صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو بعيد قوله‏:‏ ‏(‏فإنما الولاء لمن أعتق‏)‏ فيه إثبات الولاء للمعتق ونفيه عما عداه كما تقتضيه إنما الحصرية واستدل بذلك على أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل أو وقع بينه وبين رجل محالفة‏.‏ ولا للملتقط وسيأتي الكلام على بقية هذا الحديث في كتاب العتق إن شاء اللّه تعالى‏.‏

 باب شرط السلامة من الغبن

1 - عن ابن عمر قال ذكر ‏(‏رجل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه يخدع في البيوع فقال من بايعت فقل لا خلابة‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏

2 - وعن أنس ‏(‏أن رجلا عل ىعهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يبتاع وكان في عقدته يعني في عقله ضعف فأتى أهله لنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالوا يا رسول اللّه احجر على فلان فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف فدعاه ونهاه فقال يا نبي اللّه إني لا أصبر عن البيع فقال إن كنت غير تارك للبيع ها وها ولا خلابة‏)‏‏.‏

رواه الخمسة وصححه الترمذي‏.‏ وفيه صحة الحجر على السفيه لأنهم سألوه أياه وطلبوه منه وأقرهم عليه ولو لم يكن معروفا عندهم لما طلبواه ولا أنكر عليهم‏.‏

3 - وعن ابن عمر ‏(‏أن منقذا سفع في رأسه في الجاهلية مأمومة فحبلت لسانه فكان إذا بايع يخدع في البيع فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بايع وقل لا خلابة ثم أنت بالخيار ثلاثا قال ابن عمر فسمعته يبايع ويقول لا خذابة لا خذابة‏)‏‏.‏

رواه الحميدي في مسنده فقال حدثنا سفيان عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر فذكره‏.‏

4 - وعن محمد بن يحيى ابن حبان قال هو جدي منقذ بن عمر وكان رجلا قد اصابته آمة في رأسه فكسرت لسانه وكان لا يدع ذلك التجارة فكان لا يزال يغبن فأتى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فذكر ذلك له فقال إذا أنت بايعت فقل لا خلابة ثم أنت في كل سعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال إن رضيت فأمسك وإن سخطت فارددها على صاحبها‏)‏‏.‏

رواه البخاري في تاريخه وابن ماجه والدارقطني‏.‏

حديث أنس أخرجه أيضا الحاكم‏.‏ وحديث ابن عمر الثاني أخرجه أيضا البخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه وفي إسناده محمد بن إسحاق ـ وفي الباب ـ عن عمر بن الخطاب عند الشافعي وابن الجارود والحاكم والدارقطني وفيه أن الرجل اسمه حبان بن منقذ أخرجه أيضا عنه الدارقطني والطبراني في الأوسط وقيل أن القصة لمنقذ والد حبان كما في حديث الباب‏.‏ قال النووي وهو الصحيح وبه جزم عبد الحق وجزم ابن طلاع بأنه حبان بن منقذ وتردد الخطيب في المبهمات وابن الجوزي في التنقيح قال ابن الصلاح وأما رواية افشتراط فمنكرة لا أصل لها قوله‏:‏ ‏(‏لا خلابة‏)‏ بكسر المعجمة وتخفيف اللام أي لا خديعة قال العلماء لقنه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم هذا القول ليتلفظ به عند البيع فيطلع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة ويرى له ما يرى لنفسه والمراد أنه لو ظهر غبن رد الثمن واسترد المبيع واختلف العلماء في هذا الشرط هل كان خاصا بهذا الرجل أم يدخل فيه جميع من شرط هذا الشرط فعند أحمد ومالك في رواية عنه والمنصور باللّه ووالإمام يحيى أنه يثبت الرد لكل من شرط هذا الشرط ويثبتون الرد بالغبن لمن لم يعرف قيمة السلع وقيده بعضهم بكون الغبن فاحشا وهو ثلث القيمة عنده قالوا بجامع الخدع الذي لأجله أثبت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لذلك الرجل الخيار وأجيب بأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إنما جعل لهذا الرجل الخيار للضعف الذي كان في عقله كما في حديث أنس المذكور فلا يلحق به إلا من كان مثله في ذلك بشرط أن يقول هذه المقالة ولهذا روى أنه كان إذا غبن يشهد رجل من الصحابة أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قد جعله بالخيار ثلاثا فيرجع في ذلك وبهذا يتبين أنه لا يصح الاستدلال بمثل هذه القصة على ثبوت الخيار لكل مغبون وإن كان صحيح العقل ولا ثبوت الخيار لمن كان ضعيف العقل إذا غبن ولم يقل هذه المقالة وهذا مذهب الجمهور وهو الحق واستدل بهذه القصة على ثبوت الخيار لمن قال لا خلابة سواء وجد غشا أو عيؤبا أم لا ولا يؤيده حديث ابن عمر الآخر والظاهر أنه لا يثبت الخيار إلا إذا وجدت خلابة إلا إذا لم توجد لأن السبب الذي ثبت الخيار لأجله هو موجود ما نفاه منها فإذا لم يوجد فلا خيار واستدل بذلك أيضا على جواز الحجر للسفه كما أشار إليه المصنف وغيره وهو استدلال صحيح لكن بشرط أن يطلب ذلك من الإمام أو الحاكم قرابة من كان في تصرفه سفه كما في حديث أنس قوله‏:‏ ‏(‏في عقدته‏)‏ العقدجة العقل كما يشعر بذلك التفسير المذكور في الحديث وفي التلخيص العقدة الرأي وقيل هي العقدة في اللسان كما يشعر بذلك ما في رواية ابن عمر أنها خبلت لسانه وكذلك قوله فكسرت لسانه وعدم افصاحه بلفظ الخلابة حتى كان يقول لا خذابة بابدال اللام ذالا معجمة‏.‏ وفي رواية لمسلم أنه كان يقول لاخنابة بابدال اللام نونا ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى ‏{‏واحلل عقدة من لساني‏}‏ ولم يذكر في القاموس الا عقدة اللسان قوله‏:‏ ‏(‏سفع‏)‏ بالسين المهملة ثم الفاء ثم العين المهملة أي ضرب والمأمومة التي بلغت أم الرأس وهي الدماغ أو الجلدة الرقيقة التي عليه‏(‏ قوله ‏(‏ثم أنت بالخيار ثلاثا‏)‏ استدل به على أن مدة هذا الخيار ثلاثة أيام من دون زيادة قال في الفتح لانه حكم ورد على خلاف الأصل فيقتصر به على أقصى ما ورد فيه ويؤيده جعل الخيار في المصراة ثلاثة أيام واعتبار الثلاث في غير موضع واغرب بعض المالكية فقال إنما قصره على ثلاث لأن معظم بيعه كان في الرقيق وهذا يحتاج إلى دليل ولا يكفي فيه مجرد الاحتمال انتهى‏.‏ قوله ‏(‏وعن محمد بن يحيى بن حبان‏)‏ بفتح الحاء المهملة وهو غير صاحب الصحيح المعروف بابن حبان بكسر الحاء‏.‏

 باب إتيان خيار المجلس

1 - عن حكيم بن حزام ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال البيعان بالخيار ما لم يفترقا أو قال حتى يفترقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما‏)‏‏.‏

2 - وعن ابن عمر ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه أختر وربما قال أو يكون بيع الخيار‏)‏ وفي لفظ ‏(‏إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أويخير أخدهما الآخر فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع‏)‏‏.‏

متفق على ذلك كله‏.‏ وفي لفظ ‏(‏كل بيعين لا بيع حتى يتفرقا الا بيع الخيار‏)‏ متفق عليه أيضا‏.‏ وفي لفظ المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا الا بيع الخيار‏)‏ ‏.‏

وفي لفظ ‏(‏إذا تبايع المتبايعان بالبيع فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا أو يكون بيعهما عن خيار فإذا كان بيعهما عن خيار فقد وجب قال نافع وكان ان عمر رحمه اللّه إذا بايع رجلا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنية ثم رجع‏)‏‏.‏ أخرجاهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏البيعان‏)‏ بتشديد التحتانية يعني البائع والمشتري والبيع هو البائع أطلق على المشتري على سبيل التغليب أو لأن كل واحد من اللفظين يطلق على الآخر كما سلف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بالخيار‏)‏ بكسر الخاء المعجمة اسم من الاختيار أو التخيير وهو طلب خير الأمرين من امضاء البيع أو فسخه والمراد بالخيار هنا خيار المجلس‏.‏ قوله ‏(‏مالم يفترقا‏)‏ قد اختلف هل المعتبر التفرق بالأبدان أو بالأقوال فابن عمر حمله على التفرق بالأبدان كما في الرواية المذكورة عنه في الباب وكذلك حمله أبو برزة الأسلمي حكى ذلك عنه أبو داود‏:‏ قال صاحب الفتح ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة قال أيضا ونقل ثعلب عن الفضل بن سلمة أنه يقال افترقا بالكلام وتفرقا بالأبدان ورده ابن العربي بقوله‏:‏ ‏(‏وماتفرق الذي أوتوا الكتاب‏)‏ فإنه ظاهر في التفريق بالكلام لأنه بالاعتقاد وأجيب بأنه من لازمه في الغالب لان من خالف آخر في عقيدته كان مستدعيا لمفارقته اياه ببدنه ولا يخفى ضعف هذا الجواب والحق حمل كلام الفضل على الاستعمال بالحقيقة وإنما استعمل أحدهما في موضع الآخر اتساعا انتهى‏.‏ ويؤيد حمل التفرق على تفرق الأبدان ما رواه البيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ ‏(‏حتى يتفرقا من كانهما‏)‏ وروايات حديث الباب بعضها بلفظ التفرق وبعضها بلفظ الأفتراق كم عرفت فإذا كان حقيقة كل واحد منهما مخالفة لحقيقة الآخر مكا سلف فينبغي أن يحمل أحدهما على المجاز توسعا وقد دل الدليل على إرادة حقيقة التفرق بالابدان فيحمل ما دل على التفرق بالأقوال على معناه المجازي ومن الأدلة الدالة على إرادة التفرق بالأبدان قوله في حديث ابن عمر المذكور مالم يتفرقا وكانا جميعا‏.‏ وكذلك قوله وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع فإن فيه البيان الواضح إن التفرق بالبدن‏.‏ قال الخطابي وعلى هذا وجدنا أمر الناس في عرف اللغة وظاهر الكلام فإذا قيل تفرق الناس كان المفهوم منه التميز بالأبدان قال ولو كان المراد تفرق الأقوال كما يقول أهل الرأي لخلا الحديث عن الفائدة وسقط معناه وذلك ان العلم محيط بأن يشتري ما لم يوجد منه قبول المبيع فهو بالخيار وكذلك البائع خياره في ملكه ثابت قبل أن يعقد البيع وهذا من العلم العام الذي استقر بيانه قال وثبت ان المتبايعين هما المتعاقدان والبيع من الأسماء المشتقة من أفعال الفاعلين ولا يقع حقيقة الا بعد حصول الفعل منهم كقولهم زان وسارق وإذا كان كذلك فقدصح أن المتبايعين هما المتعاقدان وليس بعد العقد تفرق إلا التمييز بالأبدان انتهى‏.‏

فتقرر ان المراد بالتفرق المذكور في الباب تفرق الأبدان وبهذا تمسك من أثبت خيار المجلس وهم جماعة من الصحابة منهم علي صلوات اللّه عليه وأبو برزة الأسلمي وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وغيرهم من التابعين شريح والشعبي وطاوس وعطاء وابن أبي مليكة نقل ذلك عنهم البخاري‏.‏ ونقل ابن المنذر القول به أيضا عن سعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب من أهل المدينة وعن الحسن البصري والأوزاعي وابن جريج وغيرهم وبالغ ابن حزم فقال لا تعرف لهم مخالف من التابعين إلا النخعي وحده ورواية مكذوبة عن شريح والصحيح عنه القول به ومن أهل البيت الباقر والصادق وزين العابدين وأحمد بن عيسى والناصر والإمام يحيى نقل ذلك عنهم صاحب البحر‏.‏ وحكاه أيضا عن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وذهبت المالكية الا ابن حبيب والحنفية كلهم وإبراهيم النخعي إلى انها إذا وجبت الصفقة فلا خيار وحكاه صاحب البحر عن الثوري والليث‏.‏ والأمامية وزيد بن علي والقاسمية والعنبري‏.‏ قال ابن حزم لهم سلفا الا إبراهيم وحده وهذا الخلاف إنما خهو بعد التفرق بالأقوال وأما قبله فالخيار ثابت اجماعا ما في البحر‏.‏ ولأهل القول الآخر أجوبة عن الأحاديث القاضية بثبوت خيار المجلس فمنهم من رده لكونه معارضا لما هو أقوى منه نحو قوله تعالى ‏{‏وأشهدوا إذا تبايعتم‏}‏ قالوا ولو ثبت خيار المجلس لكانت الآية غير مفيدة لأن الاشهاد إن وقع قبل التفرق لم يطابق الأمر وإن وقع بعد التفرق لم يصادف محلا‏.‏ وقوله تعالى ‏{‏تجارة عن تراض‏}‏ فإنا تدل على أنه بمجرد الرضا يتم البيع وقوله تعالى ‏{‏أوفوا بالعقود‏}‏ لأن الراجع عن موجب العقد قبل التفرق لم يف به ومن ذلك قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏(‏المسلمون على شروطهم‏)‏ والخيار بعد العقد يفسد الشرط‏.‏ ومنه حديث التحالف عند اختلاف المتبايعين لاقتضائه الحاجة إلى اليمين وذلك يستلزم لزوم العقد ولو ثبت خيار المجلس لكان كافيا في رفع العقد لا يخفى إن هذه الأدلة على فرض شمولها لمحل النزاع أعم مطلقا فيبنى العام على الخاص والمصير إلى الترجيح مع امكان الجمع غير جائز كما تقرر في موضعه ومن أهل القول الثاني من أجاب عن أحاديث خيار المجلس بأنها منسوخة بهذه الأدلة‏.‏

قال في الفتح ولا حجة في شيء من ذلك لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال والجمع بين الدليلين مهما أمكن لا يصار معه إلى الرجيح والجمع هنا ممكن بين الأدلة المذكورة بغير تعسف ولا تكلف انتهى‏.‏ وأجاب بعضهم بأن إثبات خيار المجلس مخالف للقياس الجلي في الحاق ما قبل التفرق بما بعده وهو قياس فاسد الأعتبار لمصادمته النص‏.‏ وأجاب بعضهم بأن التفرق بالأبدان محمول على الأستحباب تحسينا للمعاملة مع المسلم ويجاب عنه بأنه خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا الدليل وهذا يجاب عن قول من قال إنه محمول على الاحتياط للخروج من الخلاف وقيل أنه يحمل التفرق المذكور في الباب على التفرق في الأقوال كما في عقد النكاح والاجارة‏.‏ قال في الفتح وتعقب بأنه قياس مع ظهور الفارق لأن البيع ينقل منه ملك رقبة المبيع ومنفعته بخلاف ماذكر‏.‏

وقيل المراد بالمتبايعين المتساومان قال في الفتح ورد بأنه مجاز فالحمل على الحقيقة أو ما يقرب منها أولى‏.‏ وقد احتج الطحاوي على ذلك بآيات وأحاديث استعمل فيها المجاز وتعقب بأنه لا يلزم من استعمال المجاز في موضع استعماله في كل موضع‏.‏ قال البيضاوي ومن نفى خيار المجلس ارتكب مجازين لحمله التفرق على الأقوال وحمله للمتبايعين على المتساومين وأيضا فكلام الشارع يصان عن الحمل عليه لأنه يصير تقديره إن المتساومين إن شاء عقده البيع وإن شاء لم يعقداه وهو تحصيل حاصل لأن كل أحد يعرف ذلك‏.‏ ولأهل القول الآخر أجوبة غير هذه فمنها ما سيأتي في آخر الباب ومنها غيره وقد بسطها صاحب الفتح وأجاب عن كل واحد منها وقد ذكرنا هنا ما كان تحتاج منها إلى الجواب وتركنا ما كان ساقطا فمن أحب الاستفاء ليرجع إلى المطولات وقد اختلف القائلون بأن المراد بالتفرق تفرق بالأبدان هل له حد ينتهي إليه أم لا والمشهور الراجح من مذاهب العلماء على ماذكره الحافظ أن ذلك موكولا إلى العرف فكل ما عد في العرف تفرقا حكم به وما لا فلا قوله‏:‏ ‏(‏فإن صدقا وبينا‏)‏ أي صدق البائع في إخبار المشتري وبين العيب إن كان في السلعة وصدق المشتري في قدر الثمن وبين العيب إن كان في الثمن ويحتمل أن يكون الصدق والبيان بمعنى واحد وذكر أحدهما تأكيدا للأخر قوله‏:‏ ‏(‏محقت بركة يبعهما‏)‏ يحتمل أن يكون على ظاهره وأن شؤم التدليس والكذب وقع في ذلك العقد فمحق بركته وإن كان مأجورا والكاذب مأزورا ويحتمل أن يكون ذلك مختصا بمن وقع منه التدليس بالعيب دون الأخر ورجحه ابن أبي حمزة قوله‏:‏ ‏(‏أو يقول أحدهما لصاحبه أختر‏)‏ وربما قال أو يكون بيع الخيار قد اختلف العلماء في المراد بقوله ألا بيع الخيار فقال الجمهور هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق والمراد أنهما إن اختارا مضاء البيع قبل التفرق فقد لزم البيع حنئذ وبطل اعتبار التفرق فالتقدير ألا البيع الذي جرى فيه التخاير وقيل استثناء من انقطاع الخيار بالتفرق والمراد بقوله أو يخير أحدهما الأخر أي فيشترط الخيار مدة معينة فلا ينقضي الخيار بالتفرق بل يبقى حتى تمضي المدة حكاه ابن عبد البر عن أبي ثور ورجح الأول بأنه أقل في الإضمار ولا يخفى أن قوله في هذا الحديث فإن خير احدهما الأخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع معين للاحتمال الأول وكذلك قوله في الرواية الأخرى فإن كان بيعهما عن خيار فقد وجب وفي رواية للنسائي إلا أن يكون البيع كان عن خيار فإن كان البيع عن خيار وجب البيع وقيل هو استثناء من إثبات خيار المجلس والمعني أو خير أحدهما الأخر فيختار عدم ثبوت خيار المجلس فينتفي الخيار قال الفتح وهذا أضعف هذه الاحتمالات وقيل المراد بذلك أنهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا ولو قبل التفرق وإلا أن يكون البيع بشرط الخيار ولو بعد التفرق قال في الفتح وهو قول يجمع التأويلين الأولين ويؤيده ما وقع في رواية للبخاري في لفظ ‏(‏إلا اليبع الخيار او يقول لصاحبه اختر إن حملت أو علي التقسيم لا على الشك‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أو يخير بإسكان الراء عطفا على قوله مالم يتفرقا ويحتمل نصب الراء على أن أو بمعنى الا أن كما قيل انها كذلك في قوله أو يقول أحدهما لصاحبه اختر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال نافع وكان ابن عمر‏)‏ وهو موصول بإسناد الحديث ورواه مسلم من طريق ابن جريج عن نافع وهو ظاهر في إن ابن عمر كان يذهب إلى أن التفرق المذكور بالأبدان كما تقدم‏.‏

3 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ‏(‏أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال البيع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا إلا أن يكون صفقة خيار ولا يحل له ان يفارقه خشية أن يستقيله‏)‏‏.‏

رواه الخمسة إلا ابن ماجة‏.‏ ورواه الدارقطني وفي لفظ ‏(‏حتى يتفرقا من مكانهما‏).‏

4 - وعن ابن عمر قال ‏(‏بعت من أمير المؤمنين عثمان مالا بالوادي بمال له بخيبر فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادني البيع وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا‏)‏‏.‏

رواه البخاري‏.‏ وفيه دليل على أن الرؤية حال العقد لا تشترط بل تكفي الصفة أو الرؤية المتقدمة‏.‏

حديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضا البيهقي وحسنه الترمذي وفي الباب عن أبي بزرة عند أبي داود وابن ماجة بإسناد رجاله ثقات ‏(‏أن رجلا باع فرسا بغلام ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما يعني البائع والمشتري فلما أصبح من الغد حضر الرحيل فقام الرجل إلى فرسه يسرجه فندم فأتى الرجل وأخذه بالبيع فأبى الرجل أن يدفعه إليه فقال بيني وبينك أبو بزرة صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فاتيا أبا بزرة فقال اترضيان ان أقضي بينكما بقضاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم البيعان بالخيار ما لم يفترقا‏(‏ زاد في رواية أنه قالم ما أراكما افترقتما ـ وفي الباب ـ أيضا عن سمرة عند النسائي وعن ابن عباس عند ابن حبان والحاكم والبيهقي وعن جابر عند البزار والحاكم وصححه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏صفقة خيار‏)‏ بالرفع على ان كان تامة وصفقة فاعلها والتقدير الا أن توجد أو تحدث صفقة خيار والنصب على إن كان ناقصة واسمها مضمر وصفته خبر والتقدير الا أن تكون الصفقة صفقة خيار والمراد أن المتبايعين إذا قال أحدهما لصاحبه أختر إمضاء البيع أو فسخه فاختار أحدهما تم البيع وإن لم يتفرقا كما تقدم قوله‏:‏ ‏(‏خشية أن يستقيله‏)‏ بالنصب على أنه مفعول له واستدل بهذا أنه القائلون بعدم ثبوت خيار المجلس وقد تقدم ذكرهم قالوا لأن في هذا الحديث دليلا على أن صاحبه لا يملك الفسخ إلا من جهة الاستقالة وأجيب بان الحديث حجة عليهم لا لهم ومعناه لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ البيع فالمراد بالاستقالة فسخ النادم منهما للبيع وعلى هذا حمله الترمذي وغيره من العلماء قالوا ولو كانت الفرقة بالكلام لم يكن له خيار بعد البيع ولو كان المراد حقيقة الاستقالة لم تمنعه من المفارقة لأنها لا تختص بمجلس العقد وقد أثبت في أول الحديث الخيار ومده إلى غاية التفرق ومن المعلوم أن من له الخيار لا يحتاج إلى الاستقالة فتعين حملها على الفسخ وحملوا نفي الحل على الكراهة لأنه لا يليق بالمرء وحسن معاشرة المسلم لا أن اختيار الفسخ حرام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏رجعت على عقبي‏)‏ الخ قيل لعله لم يبلغ ابن عمر حديث عمرو بن شعيب المذكور في الباب ويمكن أن يقال أنه بلغه ولكنه عرف أنه لا يدل على التحريم كما تقدم‏.‏ والمراد بقوله بالوادي وادي القرى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أن يرادني‏)‏ بتشديد الدال وأصله يراددني أي يطلب منه استرداده قوله ‏(‏وكانت السنة‏)‏ الخ يعني أن هذا هو السبب في خروجه من بيت عثمان وأنه فعل ليجب البيع ولا يبقى لعثمان خيار في فسخه‏.‏